رغم كل ما حصلت عليه المرأة السعودية من دعم ومزايا من قبل حكومتنا الرشيدة واسترجاع لحقوقها البديهية التي كفلها لها الشرع، هل نستطيع أن نقول أن القرارات الملكية السامية تستطيع حل جميع مشاكل المرأة الأسرية والاجتماعية؟ هل تستطيع هذه القرارات حل مشاكل المرأة مع شريكها الرجل وتغيير نظرته لها؟ نعم ولا!
إن القانون اليوم واضح وحازم فيما يخص المرأة السعودية، لكن يبقى تعامل الرجل مع زوجته هو المحك الحقيقي لرجولته وحسن أخلاقه إذ لا تزال هناك أمور عالقة لن يحلها سوى الرجل والمرأة أنفسهما.
ومن هذه القضايا العالقة هي طريقة تفكير الرجل ونظرته الدونية للمرأة والتي تجعله يجد الحجج والمبررات لاضطهاد شريكة حياته وإهانتها.
للأسف الشديد لا يزال الكثير من الرجال اليوم يعيشون بعقلية متحجرة متخلفة فيما يتعلق بالمرأة وبدورها في البيت والمجتمع، فهي في نظرهم كائن ناقص و أقل درجة من الناحية الفكرية والعقلية وأن قيمتها محصورة فقط في كيفية إدارتها لبيتها وأدائها لواجباتها الأسرية كزوجة وأم.
ولا تزال الكثير من النساء إلى اليوم يُضطهدن لفظيا ومعنويا وجسديا وذلك لأن بعض الرجال لدينا للأسف الشديد مرضى بالتحكم والسيطرة وبمرض القوة المطلقة التي تعبر عن رجولتهم (حسب فهمهم).
وقد نجد زوجاً لا شاغل له سوى تحطيم زوجته وإشعارها بأنها غبية أو تافهة أو مقصرة تلميحا أو تصريحا وذلك حتى يشعر برجولته وتفوقه عليها. بعض الرجال مرضى فلا يشعرون برجولتهم إلا إذا كسروا زوجاتهم وقللوا من شأنهن.
ونجد نفس هذا النوع من الرجال الذي يخنق المرأة ويحاصرها ويذلها بمسألة الواجبات المنزلية والأسرية، نجد هذا النوع يتدخل في كيفية إدارة المرأة لبيتها وتربيتها لأبنائها، بل ويسحب منها القدرة على إتخاذ قرارات أساسية متعلقة ببيتها ومسكنها وطريقة إدارتها وتنظيمها لحياة أبنائها. والأسوأ أن هناك من يجعل حياته الأسرية وعلاقته الزوجية موضوع قابل للنقاش والتداول بين أهله وأقربائه، فلا يعود للزوجة مكانة ولا رأي في أدق تفاصيل حياتها، فالرأي الأول هنا لعائلة الزوج أو والدته أو والده. وكل ذلك القهر يتم بإسم الدين، والدين بريء من هذا الظلم والاضطهاد والتهميش للمرأة في بيتها ومع زوجها وأولادها! ولا يشفع للمرأة في مثل هذه الحالة ذكائها ولا تعليمها ولا ثقافتها، فالجهل والموروث القديم والعادات الأسرية السائدة في عائلة الزوج هي التي تحكم حياة تلك الزوجة وتتحكم فيها!
هذا النوع من الرجال لا يزال يرى المرأة تابعة له، ولا يعرف من العلاقة الزوجية سوى الفراش وخدمة الزوجة له و للبيت والأولاد…أما الكلمة الحلوة، الوقت الخاص بينه وبين زوجته، الترفيه الأسري، المشاركة في المسؤوليات، والحوار الثري لمناقشة قضايا الأسرة والأبناء، فهي خارج قاموس حياته، وقد تربى هذا النوع من الرجال للأسف على أن الكلام الحلو للزوجة ضعف وإظهار الحب للزوجة ومعاملتها بالحسنى وإعطائها المشورة والرأي في شئون بيتها وحياتها يعتبر انعدام للرجولة، فإن مفهوم الرجولة في رأي هذا النوع هو قهر المرأة وكسرها وتحجيمها وذبذبة شخصيتها وجعل الكلمة الأولى والأخيرة له ولوالدته أو أخته أو حتى شيخ قبيلته…كل من في أسرته أهم من زوجته…كل فرد في أسرته له كلمة إلا الزوجة، فهي مجرد تابعة وخادمة تنفذ ما يسعد الزوج وأهله.
هذا النوع من الرجال تربى على أن أي اتصال روحي وفكري وعاطفي بينه وبين زوجته سوف يجعله أقل رجولة ويفقده مكانته وقوته…إنه يخاف من هذا الإتصال الإنساني بينه وبين زوجته لأنه لم يعتد على الغوص في اعماقه ولم يعتد على العلاقات الدافئة، فالمشاعر بالنسبة إليه تشكل تهديدا لقوته المزعومة، والعلاقة بينه وبين المرأة يجب ان لا تتجاوز علاقة الجسد والمسؤوليات والواجبات والحقوق فقط!
ولا تستغربوا فهذه النوعية “العتيقة” لا تزال موجودة وبكثرة…وذلك الزوج الذي يمنع زوجته من إكمال تعليمها أو يمنعها من العمل بحجة الاهتمام بالبيت والأطفال هو نفسه الذي يهينها ويقلل من قدراتها الفكرية لأنها ربة بيت!
قمة التناقض والإزدواجية في فكر هذه النوعية من الرجال!
وأنا هنا لا أشن حربا على الرجل ولستُ ضد أن يحترم أهله ويقدرهم ولستُ ضد أن تقوم المرأة بواجباتها في البيت نحو زوجها وأبنائها، لكني ضد الظلم والإهانة وضد أن يعطي الرجل للجميع حقوقهم ويقدرهم حق قدرهم بينما يكسر زوجته ويحطمها ولا يجعل لها أي كلمة في بيتها.
إن كسر الزوجة وتهميشها في بيتها ليس رجولة، بل دناءة وضعف ويدل على انعدام ثقة الرجل بنفسه، فلا يهين المرأة إلا لئيم الطبع، مريض النفس. إن إقحام آراء الآخرين في حياة الزوجة يتنافى مع أبسط أبجديات الحياة الزوجية السعيدة ويتنافى مع أبسط مباديء الخصوصية والاستقلالية.
إن معاملة الزوجة بجفاء والتلفظ عليها بأقوال فيها تقبيح لشكلها ومقارنتها بنساء تصرف عليهن الآلاف ليصبحن مثل الدمى البلاستيك أو التقليل من عقلها وذكائها ليس رجولة ولا قوة، بل عقدة نقص لدى الرجل.
لا داعي لأن تكسرها حتى تشعر برجولتك، بل ارتقِ بها وبنفسك حتى تسعد معها.
إن حياةً زوجية يسودها تحطيم الرجل لزوجته ما هي إلا حياة تعيسة جدا للطرفين، ولا يوجد رجل يمكنه أن يشعر بالأمان والسكن والسعادة حقا مع زوجة مكسورة لا تشعر بثقة في نفسها أو قدراتها العقلية أو شخصيتها أو جمالها.
وللأسف فإن هؤلاء الرجال الذين يتصرفون بهذه الطريقة هم نتيجة لتربية قاسية جاهلة أو تربية متزمتة، متطرفة دينيا وليسوا نتيجة لتربية أم وأب يتسمان بالعلم والوعي والفهم الصحيح للدين. وهذا النوع من السلوك الذكوري المتسلط نتيجة أيضا لتعريف المجتمع للرجولة ولحصر مفهومها في النسب والطول والحجم الضخم والقوة الجسدية والسيطرة والتحكم والمكانة العالية وذلك بطبيعة الحال ليس في مقدور جميع الرجال، إذ لا يتمتع جميع الرجال بالقوة الجسدية أو الطول أو النسب الرفيع، وقد لا يجد بعضهم مكانة كبيرة في المجتمع بسبب بساطة وظيفته أو قصوره في بعض تلك الجوانب المادية، فلا يجد أحدا يفرض عليه مقاييس الرجولة السطحية من تحكم وسيطرة وشعور بالقوة والفوقية سوى زوجته الغلبانة!
نعم..لدينا رجال مرضى ومعقدون بسبب تلك المقاييس الذكورية المادية لمعنى الرجولة!
هي عقد الطفولة والمراهقة والشباب كلها تظهر على الزوجة المسكينة! ومن المعروف أن الإنسان المتنمر أو المؤذي هو في الأصل ضحية للتنمر والأذى.
من المهم جدا أيضا أن لا تفهم النساء كلامي على أنه تحريض لهن لتقليل احترام الزوج وأهله أو للامتناع عن أداء واجباتهن الأسرية والمنزلية، فأداء الواجبات والمسؤوليات لا خلاف فيه وليس موضوعا للنقاش. إن ما أود هو قوله للمرأة هو أن تحاول أن تتفهم خلفية زوجها الأسرية والثقافية وتحاول احتوائه بالحب واللين والحنان والرقة والصبر الكبير لعل وعسى أن يجعله ذلك يرى جانبا في الحياة الزوجية غير القسوة والتسلط والتحكم.
إن الخصام والعناد وتبادل الاتهامات والصراخ في مثل هذه الحالة لن يزيد الزوج إلا إصرارا على أسلوبه القبيح في تعامله مع الزوجة، وكذلك فإن الطلاق ليس الحل الأول لمثل هذه المشاكل، فهناك حلول سلمية يمكن أن تلجأ لها الزوجة قبل أن تفكر في الطلاق خصوصا إذا كانت تريد الحفاظ على أسرتها و رأت في الزوج صفات نبيلة قد تبشر بتغيير محتمل.
المسألة تحتاج لصبر و وعي من الزوجة و أعرف أنه ليس أمرا سهلا على أي زوجة أن تعيش هذا النوع من الاضطهاد لكن الاجتهاد في حل المشكلة لن يضر…ويبقى البقاء أو الطلاق خيار المرأة وحدها في مثل هذه الحالات.
ولكن قبل أي شيء، لابد للمرأة التي تريد أن تستمر مع زوج من تلك النوعية أن تعمل على تطوير نفسها وتقوية شخصيتها من الناحية الروحية والفكرية والمادية وأن تخلق لنفسها عالما خاصا يشحنها بالطاقة لمواجهة تحديات الحياة مع زوج مؤذٍ…و أعتقد أن هذا الكلام يفيد جميع النساء وليس فقط النساء اللواتي يعانين مع زوج مضطهِد وظالم.
إننا اليوم نبدأ عهدا جديدا في بلادنا الحبيبة، و الرجل والمرأة وعلاقتهما سواء في الزواج أو العمل تعتبر عاملا مهما جدا لبناء مجتمع سليم قائم على الحب والمودة والإحترام والتفاهم والمشاركة.
إن القوانين الجديدة فيما يخص المرأة وفيما يخص الزواج واضحة وصارمة، لكن القوانين لن تجعلنا أكثر سعادة ولن تجعلنا نعيش في سلام مع الجنس الآخر بدون أن نغير طريقة تفكيرنا_ نساءً و رجالا_ فنحن شركاء في هذه الحياة ولسنا أعداء، ولن نستطيع أن نبني مجتمعنا ونربي أبنائنا بينما الرجل ينظر للمرأة على أنها مجرد جسد أو كائن أقل والمرأة تنظر للرجل على أنه مصرف متنقل أو كائن متوحش متسلط.
في رأيي المتواضع إن جميع القوانين الجديدة التي جاءت في صالح المرأة ما هي إلا أساس قوي للبداية السعيدة والمتزنة، لكن هذه البداية لن تحدث بأخذ الحقوق فقط، بل بعمل وجهد من المرأة لتسعد نفسها وبجهد من الرجل ليزيح عن عقله الموروثات البالية حول تفوقه الفطري وسيادته على المرأة لأن الحصول على الحقوق لن يجعل من أي امرأة سعيدة داخليا ولن يصلح ما بينها وبين الرجل إذا لم يغير الرجل طريقة تفكيره حول المرأة وإذا لم تسعَ المرأة لتطوير نفسها عاطفيا وفكريا!
القوانين العادلة موجودة…والباقي على كل رجل وامرأة، فتعاملهما مع بعض هو المحك الحقيقي لأخلاقهما وتربيتهما. إن القوانين الجديدة ستظهِر معدن كل إنسان وفكره وثقافته، فلا عذر لأحد اليوم في أن يتصرف بجهل أو اضطهاد لغيره.
وفي نهاية الأمر، فإن كل ما نريده _نساءً ورجالاً_ هو الحب والنجاح و راحة البال، ومهما كانت خلافاتنا الفكرية و اختلافاتنا البيولوجية، فنحن من نفس الكوكب … خلقنا من نفس الطين و نستنشق نفس الهواء ولدينا نفس الضعف والرغبات والأمنيات ….فالرجال ليسوا من المريخ والنساء لسن من الزهرة، بل الرجال من كوكب الأرض والنساء أيضا!
بارك الله في قلمك أ. مها فعلاً مقال جميل ومنصف للطرفين و الحقيقة التي لا غبار عليها أن أمراض الطفولة والمراهقة تظهر على الزوجة لذلك لابد للفتيات قبل الزواج أن يتأكدن من أن الرجل المقبل على الزواج منهن لم يعاني من مشاكل نفسية في طفولته .
وفقكِ الله ودمتِ وقلمك❤️
بارك الله في قلمك أ. مها فعلاً مقال جميل ومنصف للطرفين و الحقيقة التي لا غبار عليها أن أمراض الطفولة والمراهقة تظهر على الزوجة لذلك لابد للفتيات قبل الزواج أن يتأكدن من أن الرجل المقبل على الزواج منهن لم يعاني من مشاكل نفسية في طفولته .
وفقكِ الله ودمتِ وقلمك❤️