عن الأمومة

قبل حوالي أربعة وعشرين عاما كان الجميع يريد أن يقرر لي أسلوب حياتي بعد أن تخرجت من الكلية مع مرتبة الشرف. في الأشهر الأخيرة لي في الكلية، كنتُ أنتظر الحدث السعيد: ولادة ابني البكر، لذلك قررتُ بكامل إرادتي واختياري أن أبقى في البيت بعد التخرج حتى أتفرغ لطفلي وحتى أعتني به بنفسي لأني كنتُ أرفض فكرة أن أجعل أحدا غيري يربي طفلي أو يهتم به…لا جدة ولا ست ولا شغالة ولا مربية…فقط أنا.

فهو طفلي الذي حملتُ به باختياري لذلك فهو مسؤوليتي أنا و والده فقط.

بعد التخرج، عُرضت عليّ عدة وظائف ممتازة وفرص عمل كثيرة كانت تعتبر فرصا ذهبية وقتها، لكني رفضتها جميعا بدون تفكير…بدون تردد…وبقناعة تامة.

كنتُ أريد أن أعيش تجربة الأمومة كاملة بدون أن يؤثر عليها شيء. كنتُ أريد أن أكون موجودة وحاضرة في كل دقيقة في حياة طفلي الغالي. كان اختياري وقراري الذي لم يحترمه أحد للأسف!

البعض أصيب بصدمة من قراري بالبقاء في البيت “بدون عمل” وكأن الأمومة ليست عملا! البعض غضبوا مني وعليّ: “كيف لشابة ذكية مثلك أن تدفن نفسها هكذا وتضيع موهبتها وطاقتها في البيت؟” والبعض اتهمني بالكسل وبانعدام الطموح!

والبعض بدأ يشكك في ذكائي (المعروف) والبعض الآخر بدأ يشكك في صحة عقلي!

لكني لم أستمع إلى أي أحد منهم! لم أهتم بما يقولون. استشرت زوجي في الأمر فقال لي: “القرار قرارك وحدك ولن أتدخل فيه أبدا، لكني سوف أدعمك أيا كان قرارك!”

وبعد فترة أنجبت ابنتي وبدأت في تحضير رسالة الماجستير. كانت الظروف حينها مهيأة لي وكان برنامج الماجستير مرنا بحيث أستطيع أن أكون مع ابنتي أطول وقت ممكن، حيث كانت لقاءاتي مع مشرفة البحث مرة واحدة في الشهر.

وعندما كبر ولدي ودخل المدرسة وكبرت ابنتي وأصبحت في سن الروضة، عملتُ في مدرسة خاصة ممتازة وكنتُ آخذ ابنتي معي في روضة المدرسة، وكنتُ أطل عليها كلما أردت لأنها كانت في نفس المبني.

وبعد بضعة سنوات أخرى أنجبتُ طفلي الثالث، وقدمتُ استقالتي من المدرسة حتى أتفرغ لطفلي تماما وحتى أعطيه حقه من الرعاية كما فعلت مع أخيه وأخته.

لكن بعد عدة أشهر من ولادة طفلي، قامت المدرسة بالتواصل معي للعودة للعمل معهم حيث كانوا يحتاجونني، فقبلت بشرط أن أعمل بدوام جزئي وبشرط أن يكون هناك مكان لولدي الصغير في حضانة المدرسة، و طبعا وافقوا وعملت معهم 6 أشهر بنظام الدوام الجزئي ثم قدمتُ استقالتي نهائيا من المدرسة.

بعد ذلك بحوالي 8 أشهر، جاءني عرض عمل مغري جدا في كلية دار الحكمة، فقبلت لأنه كانت لديهم حضانة لأطفال الموظفات، وعملت في الكلية لمدة 6 أشهر بدوام جزئي حتى لا أغيب عن بيتي فترة طويلة.

قبلت العمل في دار الحكمة لأنها كانت بيئة مناسبة لي…مناسبة لشخصيتي وفكري… ولأنها مؤسسة تحترم المرأة كإنسانة وأم قبل كل شيء، وتقدر دور الأم في حياة طفلها. قبلت العمل لأن إدارة دار الحكمة إدارة واعية تدرك جيدا أن الموظفة إذا ارتاحت نفسيتها تجاه أطفالها الصغار وإذا اطمأنت عليهم، فسوف تعطي وتبدع في عملها وتنجز ما عليها.

mother

ومنذ ذلك اليوم، وأنا أعمل في دار الحكمة التي أصبحت جامعة فيما بعد والتي أصبحت مثل بيتي الثاني. وخلال سنوات عملي في دار الحكمة تطورت ونضجت وتعلمتُ الكثير وأنجزت الكثير وحققت طموحاتي في الكتابة والمسرح وحققت أشياء كانت أحلاماً بعيدة المنال بالنسبة لي!

خلال تلك السنوات أيضا، كتبت ما يزيد على 100 مقال لعدد من المجلات وعملت في التحرير والترجمة وقمتُ بتأسيس نادي المسرح في الجامعة وكتبت وأخرجت عدة مسرحيات. وبعد ذلك تطور نادي المسرح ليصبح كورس رسمي أقوم بتدريسه في الجامعة. وبعد ذلك قمتُ بنشر مجموعتي الشعرية باللغة الانجليزية. وحاليا أعمل على كتابي الثاني باللغة العربية.

وكما ترون، فالأمومة لم تكن عائقا أمام العمل والطموح بالنسبة لي، لكن طوال حياتي كان أبنائي في أعلى قائمة أولوياتي وكانت ولا تزال لدي خطوط حمراء فيما يتعلق بهم ومن أهم تلك الخطوط الحمراء هي أن لا تعتني بهم خادمة وأن لا ألقي بمسؤوليتهم على أمي أو على جدتهم. ولا أنكر بالطبع فضل أمي في مساعدتي خصوصا في مرحلة الماجستير، لكني لم ألقِ يوما بالمسؤولية كاملة عليها، ولا أحبذ فكرة أن تحل الجدة محل الأم تماما وأن تقوم بجميع مسؤولياتها، وأرى أن في ذلك نوع من الاستغلال للجدة…أمي التي أفنت شبابها من أجلي وتعبت وربتني طوال حياتها من حقها أن ترتاح عندما تكبر في العمر، بل يجب أن تُخدَم لا أن تخدِم. كما أن أطفالي هم مسؤوليتي أنا و والدهم وليسوا مسؤولية أحد آخر، وأنا محاسبة ومسؤولة أمام الله تعالى عنهم.

قد لا أكون حققتُ إنجازات هائلة بمقاييس عالمية وقد أكون تأخرت قليلا عن زميلاتي في تطوري المهني، ولكني سعيدة وقانعة بما حققته، بل فخورة بنفسي و بإنجازاتي البسيطة.

لقد عملتُ وفق شروطي و وفق قناعاتي ومعاييري.

أبنائي لم يكونوا يوما حملا ثقيلا عليّ…و لم يكونوا يوما عائقا أمام تقدمي وطموحي وعلمي، لكن العوائق الحقيقية أمام تطور المرأة ونموها المهني هي تلك الأنظمة التي تضعها المؤسسات لموظفاتها…تلك الأنظمة التي تدفع المرأة المتزوجة و بالأم خارج مكان العمل أو تضغط على المرأة لتتخلى عن أمومتها ومسؤولياتها كزوجة وأم أو لتجعلها ممزقة بين أطفالها الذين تركتهم مع الخادمة وبين عملها الذي يستهلك كل جهدها وصحتها وعافيتها بحيث لا يعود لديها  طاقة لتهتم بأطفالها ولتكون معهم بقلبها وعقلها.

لقد رفضت أن أعمل في مؤسسات كثيرة لأنها لا تحترم إنسانيتي ولا تحترم أمومتي، وأحث كل امرأة أن ترفض أن تقع تحت هذا الضغط بحجة الطموح. إذا أردتي أن تكوني أما، فلا تكبتي هذه الرغبة من أجل الطموح والعمل، فالأمومة حالة تشعرنا بالإمتلاء العاطفي وتعلمنا معنى الحب الحقيقي، وإذا ضاعت فرصة أن تكوني أما، فلن تعود…أما فرص العمل، فهي تذهب وتعود…ولا حدود للفرص التي يمكن أن تجديها وقتما تريدين و وقتما تكوني مستعدة لذلك!

لا أندم على أي مرة قررت فيها أن أختار أطفالي وبيتي وأسرتي على العمل أو الدراسة!

فخورة بانجازاتي الصغيرة وفخورة بأبنائي، فهم أصدقائي الذين كبرت معهم وتعلمت ولا زلت أتعلم منهم الكثير!

وأعترف اني لستُ أفضل أم، وأدرك أنني أخطأت كثيرا في تربيتهم، لكني فعلت من أجلهم كل ما أستطيع حسب فهمي وعلمي و وعي في ذلك الوقت…و فعلت كل ذلك بحب كبير.

وأقولها مرة أخرى، إن الأنظمة والمؤسسات التي لا تحترم أمومتي، لا تستحق أن أعمل لديها ولا تستحق جهدي وطاقتي، فأمومتي جزء من وجودي وكياني كموظفة، ولا أحترم ولا أقدر أي مؤسسة عمل تجعل من سعادتي كزوجة وأم أمر شبه مستحيل! 

نحن نعيش في زمن مليء بالتحديات ومن هذه التحديات محاولة بعض من لهم توجهات وأجندة معينة أن يقوموا بتحطيم مفهوم الأمومة والتقليل من شأن الأم والبعض الآخر يجعل المرأة التي تختار مثلا أن تجلس في البيت لرعاية أطفالها _يجعلها تشعر بأنها غير مهمة وبأنها تضيع وقتها وطاقتها وبأنها عاطلة ولا تقدم شيئا لمجتمعها.

لا تسمحي لمثل هذه الأفكار أن تتسلل إليكِ وتدمر معنوياتك، فأنتِ تؤدين رسالة عظيمة لنفسك ولطفلك وقد تكون أعظم بكثير مما يمكن أن يؤديه أي شخص يجلس في مكتب ليقوم بعمل روتيني يمكن لأي شخص آخر أن يحل محله…أما أنتِ فلا يمكن لأحد أن يحل محلك في حياة طفلك…أنتِ أغلى وأهم من أن يتم استبدالك.

كما أننا نعيش اليوم في عالم حر متطور ومن أبسط حقوقك كامرأة هو أن تختاري بوعي ما تريدين فعله، فإذا شعرتي أنكِ تريدين أخذ إجازة من العمل لفترة أو إذا شعرتي أنك لا تريدين العمل إلى أن يكبر أطفالك، فافعلي ذلك ولا تستمعي لأي أحد، فهذه حياتك وهذا طفلك والقرار قرارك وحدكِ وليس من حق أحد تهميشك أو إشعارك بالسوء بسبب خياراتك، ومن يفعل ذلك فهو شخص غالبا جاهل أو غير مهتم بالأمهات والأطفال.

إن قرار البقاء في المنزل أو العمل خارج المنزل هو قرار شخصي جدا، فإذا لم ترغبي بالعمل خوفا على طفلك من أن يبقى مع خادمة أو يبقى مع شخص لا يستطيع رعايته حق الرعاية، فاتركي العمل ولا تخافي على أي فرصة وظيفية قد تفوتك، ففرص الحياة تذهب وتعود ولا أحد يعلم الغيب والفرص القادمة سوى الله تعالى. لن يفوتك شيء، لكن طفلك سيكبر بدونك وسوف تفوتك أجمل وأهم لحظات حياته. وهذا لا يعني أن تنعزلي عن الحياة وتتركي شغفك وهواياتك، لكن ذلك يعني أن تكوني أكثر وعيا بأهمية دورك كأم وأهمية تنظيمك لحياتك وتحديدك لأهدافك وأولوياتك بحيث تحققين ما تطمحين إليه بدون الاضطرار للتضحية بتربية طفلك والاستمتاع بوجودك معه.

إن رعايتك لطفلك ليست قيدا ولا سجنا، بل هي قرار يدل على نضجك وفهمك واستقلالية فكرك وقدرتك على تحمل المسؤولية بجدارة. إن رعايتك لطفلك سوف تأخذ جزءا من وقتك وحياتك بلا شك ولكنها لن تأخذ حياتك كلها. التوازن مهم جدا والأهم هو ارتياحك واستقرارك النفسي لأي قرار تأخذينه. ونحن اليوم في زمن الإنترنت والتكنولوجيا حيث يمكن لأي امرأة أن تطور نفسها وتمارس هواياتها وشغفها وهي في بيتها، فالأمومة ليست قيدا والخيارات والفرص وفيرة ولله الحمد.

إن الإنجاز لا يجب أن يكون عاليا صاخبا يراه الجميع. الأمومة الواعية إنجاز عظيم لا يقل عن أي إنجاز مهني.

كوني أما واعية محبة ولا تكوني مجرد أم تطعم وتنظف وهي تشعر بالهم والمسؤولية، فذلك الشعور بثقل الحِمل لن يجعلك تشعرين بشعور أفضل، بل سوف يزيد من صعوبة الأمر عليكي وعلى زوجك. افخري بهذا الدور واستمتعي به، فأنتِ وطفلك و زوجك تستحقون العيش بحب حتى تسهل عليكم تحديات الحياة.

أضف تعليق