عيشي الحياة

نتحدث كثيرا جدا عن حقوق المرأة و ما ينقصها في مجتمعنا والقهر الذي تعيشه الكثير من النساء، وهو أمر واقع بلا شك والحديث عنه ومحاولة علاجه ضروري، لكننا كثيرا ما نغفل عن التحدث عن المرأة نفسها…المرأة من الداخل…نغفل كثيرا عن الحديث حول ما تحتاجه المرأة لتصبح إنسانة سعيدة، متزنة، ناضجة تعرف كيف تدبر أمور حياتها و تحل مشاكلها و تدافع عن حقوقها. نتعامل مع قضية المرأة بالنِسب و الإحصائيات ونفرح إذا زادت نسبة النساء العاملات و نغضب إذا زادت حالات الانتحار بين النساء مثلا. لكننا نادرا ما ننزل لأرض الواقع اليومي الذي تعيشه الكثيرات بعيدا عن الأرقام و الإحصائيات.

في رأيي أن المرأة اليوم تستخدم كل الوسائل غير التقليدية لتُسمعنا صوتها الحقيقي، لكن البعض يتجاهل قراءة تلك الأصوات ويصر على التمسك بالبيانات والتنظير و النظريات وحدها.

إن ما يدور في مجالس النساء يختلف تماما عما ينشره الإعلام التقليدي وعما تنشره الدراسات التي أصبحت أكثر من الهم على القلب بدون فائدة تذكر في واقع المرأة.

كثيرا ما نسمع في مجالس النساء أو على شبكات التواصل الاجتماعي مثل انستاجرام و توتير عبارات مثل هذه:

“فلانة ليست جميلة لكن زوجها يدلعها…فلانة لديها حظ أكثر مني وبيتها أكبر من بيتي …صديقتي عندها شغالتين و طباخة …جارتي أولادها ناجحين أكثر من أولادي …يا عيني على حظي زوجي مو داري عني…أخت زوجي رشيقة بس أكيد كلها عمليات تجميل…زوجة أخوي جميلة بس دمها ثقيل …زوجي مو رومانسي …أنا ما في مثلي و زوجي يا حظه فيا….طفشانة …بسوي رجيم من سنتين وجربت كل الخلطات والوصفات وما نقص وزني …يا رب أعطينا الحظ!”

حسب علمي، لا أذكر أن هناك دراسة جادة أو إحصائية محترفة تطرقت لمحاولة قراءة مثل هذه الأحاديث النسائية. و إن كانت هناك دراسة من هذا النوع، فهي مغمورة لم يُروّج لها بما يكفي لينعكس إيجابا على المرأة.

للأسف الشديد تدور حوارات و أفكار الكثير من النساء في مجتمعنا حول مثل هذه الأفكار السلبية التي تدل إما على جهل أو فراغ فكري و عاطفي أو وهم تخلقه النساء بأنفسهن حتى يصبح لديهن هوس و مرض نفسي يؤثر على تقديرهن لذواتهن بطريقة سلبية …و كل ذلك ينعكس بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على علاقاتهن الأسرية و الاجتماعية و المهنية. 

والمشكلة في رأيي تكمن في قلة الوعي بالدرجة الأولى والانسياق وراء الشكليات والمظاهر مع فراغ روحي و فكري وعاطفي كبير لم تتعلم معظم النساء كيف يشغلنه بطريقة إيجابية. 

تتعلم المرأة في مجتمعنا منذ طفولتها أن الآخرين هم محور حياتها وبناء عليهم و على رأيهم فيها تقيس مستواها وقيمتها كأنثى …و الآخرين غالبا هم  الأهل و الأصدقاء والمعارف بكل ثقافتهم المختلفة التي تشكلت غالبا من الإعلام السقيم والسطحي الذي يروج للسطحية والغباء والخبث خصوصا فيما يتعلق بقضايا المرأة وحياتها وعلاقاتها. 

و تتعلم أيضا منذ طفولتها_و كلامي هنا لا يعني الجميع_ أن المظاهر والماديات هي أهم شيء في الحياة وهي التي تحدد قيمتها ومستواها في المجتمع…يسيطر على تربية البعض لبناتهم منذ صغرهن فكر السندريلا و الأميرة الجميلة …نجردهن من براءتهن وطفولتهن حتى يصبحن دمى نتباهى بجمالها.

تتعلم الفتاة منذ صغرها أن الحرص على فستانها الغالي “الماركة” أهم من أن تلعب وتمرح و تتعلم أن تلك الفتاة التي تلعب بشقاوة وبتلقائية ليست “بنوتة كيوت” وأنها عندما تكبر لن يتزوجها أحد لأنها كانت تلعب مثل الاولاد! 

تكبر الفتاة وفكر المظاهر والماديات يسيطر عليها، وتلقائيا يصبح كل همها المنافسة حتى تصبح الأجمل و الأكثر لفتا للانتباه حتى تظل تلك السندريلا التي يجب أن تكونها كما تربت وهي صغيرة.

لكن حياة الكبار الواقعية تحتاج لما هو أكثر بكثير من مجرد فستان جميل وقوام رشيق و حقيبة باهظة الثمن لتحقيق السعادة و التوازن و الاكتفاء العاطفي و الروحي ..الحياة تحتاج إلى امرأة ذات وعي وشخصية وحضور …امرأة دافئة مُحِبّة…امرأة يُعتمد عليها …امرأة يُؤخذ منها كما يُعطى لها، و هذا كله لا يلغي أهمية المظهر و الماديات…لستُ أتحدث هنا بمثالية كما قد يظن البعض، لكني أحاول تحليل عدم التوازن الذي تعيشه المرأة هذه الأيام مما يسبب لها التعاسة وعدم الرضا بنفسها و سوء التقدير لذاتها.

إن المرأة “فقيرة الشخصية و الحضور” غالبا لن تتمكن من تحقيق ذلك التوزان بين الأخذ و العطاء، بين السعادة و المشاكل، و بين جمال الحياة و آلامها لأنها منشغلة أكثر من اللازم بأوهامها!

أعرف نساء كثيرات لسنَ مسلوبات الحقوق و لا يعانين من قهر أو فقر، و بعضهن حاصلات على أعلى الشهادات الجامعية و أخريات موظفات وبعضهن اخترن البقاء في البيت…لكنهن جميعا يشتركن في شيء واحد: التعاسة!

تجد الواحدة منهن دائمة التذمر و التشكي إما من الملل أو من القهر و الغيظ من إحدى الزميلات اللاتي اشترت حقيبة من دبي أو تجد إحداهن تعيش وهم الأميرة التي يجب أن يقدم لها كل من في حياتها ألف احترام و مئة تعظيم سلام لمجرد أنها “هي” بدون أن تبذل أي مجهود و بدون أن يكون لها أي دور إيجابي في الحياة. تجد إحداهن تدور حياتها كلها حول المؤامرات للإيقاع بفلانة أو إغاظتها أو للتقليل من شأنها أو لتسميم روحها بتعليقات و تلميحات سلبية لإفقادها الثقة بنفسها.

و أعتقد أن كل هذا يحدث لأن هذه النوعية التعيسة من النساء لم تحرص إلا على الجانب المادي في الحياة و لم تحاول تنمية عقلها أو مهاراتها أو شخصيتها، فأصبحت أي امرأة أخرى تقابلها تشكل لها تهديدا كبيرا لمفهومها السطحي عن السعادة و الجمال…لمجرد أن تلك الأخرى تتمتع بالذكاء أو الحضور الطاغي أو لمجرد أن لدى تلك الأخرى حقيبة باهظة الثمن!

و يُعد الوهم في رأيي من أكبر مشاكل المرأة بعد الجهل، و ربما يكون هذا الوهم ناتجا عن الجهل. و لكن ماذا يعني الوهم؟

الوهم الذي تعيشه بعض النساء هو خلق صورة غير واقعية لنفسها، فنجد امرأة تعيش حياتها متوهمة أنها ضعيفة ومكسورة و ضحية وتجعل جميع من حولها يعاملها على هذا الأساس. وهذا الوهم الذي تضع نفسها فيه يجعلها فريسة سهلة للعنف الأسري، فالظالم يمعن في ظلمه إن لم يجد من يردعه. و المشكلة أن هذه النوعية من النساء ترفض جميع الحلول للخروج من دور الضحية …ترفض أن تتعلم شيئا جديدا…ترفض أن تطور نفسها و تفهم قدراتها….ترفض أن تحدد أولوياتها وأهدافها …ترفض أن تقول لا لمن يظلمها…ترفض كل حل لأنها تستمتع بدور الضحية فمن خلال هذا الدور (في رأيها) تستطيع أن تحصل على الاهتمام وعلى تعاطف الأخريات معها حتى وإن كان تعاطفا بالكلام فقط، و تستطيع بهذا الدور أن تكون “ملكة” جلساتها النسائية أو تغريداتها التعيسة التي لا تجمع حولها إلا مزيدا من السلبية و التعاسة!

الوهم الآخر الذي تعيشه بعض النساء هو وهم الأميرة الجميلة. تجد إحداهن عادية أو ذات مظهر مقبول، لكنها و كما نقول بالعامية “آخذة مقلب في نفسها” وتريد من الجميع أن يعترف بها كفاتنة عصرها وأوانها و تريد من الجميع و على رأسهم زوجها أن يخدمها و يقتل نفسه ليرضيها لمجرد أنها تلك السندريلا “اللي محصلتش”! و أحيانا تكون جميلة فعلا و على هذا الأساس تعيش وهم الملكة التي تريد أن تعامل الجميع باحتقار…لا تقوم بأي دور …لا تقدم أي نوع من العطاء لأسرتها و مجتمعها و مع هذا تصر على أن يمجدها الجميع و يقدم لها كل شيء…و إذا لم يقدموا لها فروض الولاء و الإذعان لجمالها الفتاك، تجدها تعيش في حالة تعاسة مَرَضية و تكتب في حالة الواتس آب “كل العالم ضدي و أنا في الدنيا دي وحدي”!

هناك أيضا نساء يعشن وجها مختلفاً من الوهم ألا وهو الإنكار، فتجد إحداهن تنكر كل شيء جميل في حياتها…تنكر كل ميزة منحها الله إياها…و أحيانا تقوم بإيذاء الآخرين ثم تنكر أنها آذت أحدا و تدعي أنها هي الضحية!

و هناك أوهام أخرى تعيشها الكثيرات مثل وهم أن الجميع يغار منها و لا يريد لها الخير، و وهم أن جميع صديقاتها حظهم أفضل من حظها في الزواج، و وهم أنها هي الوحيدة الفاضلة المحترمة و الأخريات جميعهن فاسقات!

هناك مشاكل أخرى كثيرة تعاني المرأة منها أيضا مثل الخوف و انعدام الثقة بالنفس مما ينتج عنه الغيرة الشديدة المدمرة ونقد مظهر الأخريات بشكل مستمر، و أيضا المبالغة في ردود الأفعال نحو المشاكل وتضخيم الأمور و تهويلها بدل حلها بشكل ناضج و عقلاني.

و هنا أعود للنقطة التي ذكرتها مسبقا و هي قلة الوعي. لا شيء يمكن أن ينقذ المرأة مثل العلم و الوعي و أكرر كلمة الوعي لأن العلم و الثقافة بدون وعي مثل صندوق مليء بالكنوز لكنه مقفل و لا أحد يستطيع الاستفادة منه.

عندما نثقف المرأة حول واجباتها وحقوقها و دورها في الحياة كما جاء في شرع الله، وعندما نصقل شخصيتها بتوفير البيئة المناسبة لاكتشاف مواهبها وإمكانياتها، فإننا سنزيد من تقدير المرأة لذاتها كما هي بكل مميزاتها وعيوبها، و سنساعدها لتشعر بتميزها و كيانها، و سوف تنشغل بوجودها الذي تحبه عن وجود الأخريات وحياتهن و أخبارهن و نجاحاتهن وإخفاقاتهن.

عندما نعزز ثقة المرأة بنفسها و بأدوارها المختلفة بالحياة، و عندما نحترم قراراتها واختياراتها أيا كانت، فإننا سنصنع جيلا من النساء الواعيات السعيدات…تلك السعادة الداخلية و ذلك السلام الداخلي الذي قلما نتطرق إليه عندما نتحدث عن حقوق المرأة و دورها في المجتمع.

و للمرأة نفسها دور كبير في خلق سعادتها بنفسها بدون انتظار مؤسسات حكومية أو دولية لتثقيفها و توعيتها و صقل شخصيتها، فاليوم كل شيء متاح و متوفر بضغطة زر حتى للنساء اللواتي يعشن في أكثر البيئات تشددا و انغلاقا.

و من قلبي أقول لكل امرأة: عيشي الحياة و ابعدي عن الوهم…ركزي على نفسك و من يحبونكِ و من تحبينهم…لا تجعلي المقارنة بالأخريات محور حياتك، بل اجعلي أسباب سعادتك و رضاكِ عن ذاتك هو أهم أهدافك…تسلحي بالوعي و اعرفي ما تريدينه أنتِ، لا ما تعتقدين أنكِ يجب أن تكوني عليه. لا تدعي أحدا يضغط عليكِ لتكوني في قالب كيم كارداشيان أو في قالب هيلاري كلينتون.  لا يجب أن تكوني مثل أي امرأة شهيرة لتقدري ذاتك و تحبيها. لا يجب أن تكوني مثل أحد ليحبكِ الأخرون.

ثقفي نفسك من مصادر موثوقة …اقرئي كتباً أو مقالات…اقرئي ما استطعتِ إلى ذلك سبيلا…ثقفي نفسك حول مواضيع مهمة…ثقفي نفسك في دينك وافهميه من العلماء الأفاضل المختصين….تعلمي مهارة جديدة كل فترة…حددي قيمك وأولوياتك وأهدافك واعملي على تحقيقها حسب ما يسمح به واقعك…اعرفي عيوبك و ابتسمي لأنكِ بمجرد معرفتها تستطيعين تغييرها أو تحسينها. حاسبي نفسكِ دائما و كوني صادقة معها قبل أن تكوني صادقة مع الجميع.

أنتِ لستِ ضحية و لستِ مركز الكون….أنتِ إنسان بكل مميزاته و عيوبه و ضعفه و قوته.

عيشي الحياة وأحبي نفسكِ لتحبي الآخرين و ليحبونكِ…لو ركزتي على نفسك، فلن يكون لديك وقت ولا مجال للنكد أو مراقبة زوجك ووضع تصرفاته تحت المجهر..ولن يكون لديكِ الوقت للقيل والقال والنميمة أو للمقارنات أو التفكير في حياة الأخريات ولن يكون لديكِ وقت للدراما واختلاق المشاكل، بل ستصبحين أكثر تقديرا لنفسك وللحياة!

إن امرأة لا تقدر نفسها، هي امرأة لا تعرف معنى الحياة. إن امرأة لا تحب نفسها ولا تفهمها هي امرأة عاجزة عن منح الحب أو أخذه و تَشَرُبه و الاستمتاع به.

لا تضيعي متعة الحياة بالحسد و الغيرة من الأخريات…استمتعي بما لديكِ من نعم و مزايا وهبكِ الله إياها…أنتِ تقتلين جزءا من روحك و أنوثتك عندما تحرقين نفسكِ غيرة وحسدا لأخرى قد تملك جسدا جميلا لكنها لا تملك أسرتكِ المحِبّة مثلا.

ستكونين سعيدة راضية و جميلة طالما أن علاقتك بالله هي محور حياتك ورضا الله هو منبع سلوكياتك…سوف تتمتعين بالرضا و السلام الداخلي طالما أنكِ تفهمين ذاتك و تدركين قدراتك و قصورك البشري…ستكونين راضية طالما أنكِ تضعين أهدافا واقعية لتحسين حياتك و حياة من حولك.

عيشي حياتك و لا تعيشي حياة الأخرين. عيشي حياتك بسلام، و دعي حياة الآخرين و الأخريات بسلام أيضا.

عيشي الرضا و الحب، فهما الحياة.

أضف تعليق