تحديث الذات

لم أكتب أي مقال للمدونة منذ ٢٠٢٠ ربما بسبب تركيزي على انستاجرام، لكني لا أزال أحب الكتابة، بل أفتقد كتابة المقالات الطويلة التي تأخذ فيها الأفكار حقها من التسلسل والتطور والتبلور. 

وربما هجرت المدونة لأني خلال الأعوام الماضية كنتُ أعيد تعريف نفسي وكنتُ أقوم بما أحب أن أسميه تحديث الذات. 

لذلك أحببتُ أن يتزامن تحديث الذات مع إعادة إحياء المدونة … أعرف أن الناس أصبحوا يحبون (المحتوى) القصير المختصر، ولن أتوقف عن تصميم المحتوى الخاص بحسابات السوشيال ميديا، لكن تبقى للكتابة نكهة أصيلة وضرورة فكرية نحتاجها ومن يدري قد تنفع من يقرأها في زمن قادم. 

إعادة تعريف الذات أمر بدأته منذ عام ٢٠١٠م …الأمر أشبه برحلة إلى الداخل…أحاول أن أفهم نفسي فيها وما أريد أن أكون عليه بدون أن أتأثر بضغوطات الفكر السائد وبرمجات المرأة القوية المستقلة…الأمر أصبح واجباً خانقاً نقوم به سواء كنا مقتنعين ومرتاحين أو غير مقتنعين ومرهقين ومنزعجين! 

بعد حوالي ٢٠ عاما في مجال التعليم، اخترتُ لنفسي طريقاً مختلفاً…فيه مجازفة ومخاطرة لكن فيه متعة وحرية ومرونة أكبر! 

كأستاذة في الجامعة، كنتُ سعيدة وأحب عملي جداً…أصحو كل صباح (يوميا خلال سنوات طويلة) يملؤني الشغف والحماس لما سأقدمه لطالباتي وعن ماذا سوف نتناقش وكيف سأجعل المادة الصعبة سهلة وممتعة لهن…لكن هناك أمور تغيرت وأصبح التعليم عبارة عن كتابة تقارير وهوس بالمنحنى والمعدل والدرجات…نظام عقيم محوره الآليات والاجراءت أكثر من الطالبات وما سيتعلمنه وما سينفعهن، مع اختفاء عامل المرونة في الأوقات …أضيفوا إلى ذلك تقليص عدد الموظفات الذي حدث بعد كورونا في جميع المؤسسات الخاصة مما أدى إلى زيادة المهام على الناس الذين بقوا في المؤسسة….كأننا بقينا حتى ندفع ثمن وجودنا! 

والحقيقة التي لا يعرفها إلا القليل هي أنني قررت الاستقالة منذ عام ٢٠١٥م وبدأت أعمل على الخطة (ب)… بدأت أعمل على شكل حياتي اليوم…لأني استوعبت في ذلك الوقت أن الحرية والمرونة والاستمتاع بالحياة مع أسرتي ومع هواياتي هي أعظم قيمة عندي! 

القرار اتخذته في ٢٠١٥ لكن التنفيذ تم في ٢٠٢٢م 

وفي تلك السنوات كنتُ أعمل بحب كعادتي لكني كنتُ أيضا أدرس وأتعلم في مجال الاستشارات وأحصل على شهادات ورخص معتمدة حتى أستطيع أن أعمل في مجال التدريب والاستشارات (حسب وقتي واحتياجي) وليس حسب ما يقرره غيري ويفرضه عليّ! 

وكل يوم كان يمر من ٢٠١٥ إلى بداية ٢٠٢٢ كانت تحدث أمور تؤكد لي أنني اتخذت القرار المناسب وكل ما كان يحدث كان يدفعني أكثر لتحقيق وتنفيذ قرار الاستقالة…إلى أن جاء الوقت المناسب لكن بطريقة لم أكن أحسب لها حساباً! 

كنتُ قد أصبت بمرض القصور الكلوي منذ ٢٠٠٩م وكان المرض وقتها في مرحلة مبكرة وكان من السهل السيطرة عليه والتعامل معه ولم يكن مصدر تهديد لحياتي. 

لكن في فترة الكورونا وما تبعها من تغييرات في العمل، ازداد الضغط عليّ وأصبح العمل مصدرا كبيرا للتوتر ….والتوتر هو السبب لمعظم الأمراض القاتلة! 

بدأت حالتي تتدهور تدريجيا إلى أن وصلت لمرحلة أنني كنتُ أذهب للطواريء كل أسبوعين ….يرتفع عندي الكيراتين والضغط بشكل جنوني…وتخيلوا أنني وسط هذا الألم المتكرر كنتُ أعمل بشغف وأخرجت مسرحية سندريلا في منتصف 2022م…الناس كانوا يرون مها المتألقة المليئة بالنشاط و التي أخرجت مسرحية رائعة بينما أنا في الحقيقة كنتُ أعاني من المرض بشكل لا يمكن أن يتخيله أحد!

كان في نفسي شيء من التردد نحو الاستقالة بسبب الجانب المادي على وجه التحديد إلى أن سمعتها من طبيبي …يا مدام انتي ما تعرفي ترتاحي؟ يا مدام استقيلي! لو لم ترتاحي سوف أضطر إلى تنويمك في المستشفى! 

قررتُ حينها أن آخذ بنصيحته التي كانت تؤكد وتعزز رغبتي الحقيقية في الاستقالة! 

ويمكن أن يصعب تصديق ما حدث بعد ذلك! 

بعد شهرين من الاستقالة، تحسنت حالتي الصحية …نقص مستوى الكيراتينين بشكل ملحوظ ولم أذهب بعدها إلى الطواريء إلى اليوم… طبعا لا أزال أعاني من مشكلة في الكلى …لا أزال أحتاج لزراعة للكلى ولا أزال أبحث عن متبرع للكلية، لكن الوضع مستقر بحيث لا يمنعني من ممارسة حياتي الطبيعية وهذا هو المهم في حالتي! أهم شيء أن لا يتدهور الوضع!

ولم يكن قرار الاستقالة بلا ثمن، لكنه ثمن بسيط جدا مقابل صحتي الجسدية والنفسية لأنه لا يوجد أحد في الدنيا …ولا مؤسسة ولا شركة ولا عمل ولا انجاز ولا شهادات ولا مال يمكنه أن يرجع لك صحتك وحياتك إذا ذهبت! 

هذا درس تعلمتُه بالطريقة الصعبة المؤلمة! 

اليوم بعد تحديث الذات أعرف أولوياتي جيداً (صحتي وأسرتي وحريتي)!

وعملي الحر يحقق لي ما أحتاجه فكرياً ومعنوياً لأنه عمل فيه قيمة ومعنى وعطاء ومرونة عالية جدا …ما أقوم به هو عمل أساعد به الآخرين ليكتشفوا أنفسهم ويعيشوا الحياة التي يحبونها بدون أن يضطروا لدفع ثمن غالٍ من خسارة صحتهم أو من يحبون! 

وأنا لا أزال أقاوم وأحارب حتى أعيش بما تبقى لي من صحة وعافية…وأمارس هواياتي التي تعتبر جزء من شخصيتي…الكتابة والرياضة والمشي على البحر والاستمتاع مع أسرتي وحفيدتي الأولى.

رأي واحد على “تحديث الذات

  1. سلامتك. متعك الله بالصحة و العافية. أحياناً يأخذنا شغفنا الزآئد بعملنا أو بما نهوى أو نحب إلى مسآرآتٍ قد تعيقٌ راحة البال والجسد. أحىّ فيك روح التحدي و الإصرار و سلمك الله من كل شر.

أضف تعليق